ابن قيم الجوزية
104
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
الباب السادس عشر في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها : ( اتقي الله واصبري ) فقالت : وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها : أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت : يا رسول الله لم أعرفك فقال : ( إنما الصبر عند أول صدمة ) وفي لفظ : ( عند الصدمة الأولى ) . وقوله : ( الصبر عند الصدمة الأولى ) مثل قوله : ( ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه وقت الغضب ) فإن مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر وأيضاً : فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهي الصدمة الأولى وأما إذا وردت عليه بعد ذلك فقد توطن لها وعلم أنه لا بد له منها فيصير صبره شبيه الاضطرار وهذه المرأة لما علمت أن جزعها لا يجدي عليها شيئاً جاءت تعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنها تقول له قد صبرت فأخبرها أن الصبر انما هو عند الصدمة الأولى . ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد ابن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة جاثمة على قبر تبكي فقال لها : « يا أمة الله ، اتق الله واصبري » قالت : يا عبد الله ثكلى . قال :